الياس شوفاني

194

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

الدعوة إلى حمل السلاح « لحماية المسيحيين في الشرق من الاضطهاد ، وتحرير كنيسة القيامة والمسيحية الشرقية عامة . » وتعالت الصرخات العفوية « هذه إرادة اللّه » ، واندفع الناس نحو البابا مؤيدين دعوته . ووعد هؤلاء بمحو الخطايا والإعفاء من الديون وحماية الممتلكات ورعاية الأسر في أثناء الغياب . لم يكن هناك إلزام ، لكن التراجع غير مقبول - المرتدون سيحرمون من الكنيسة . ومن فرنسا انتشرت الحماسة إلى بقية أجزاء أوروبا . لقد كانت فرنسا السبّاقة ، فأعطت الحملات اسمها - حملات الفرنجة . وفكرة الحملة الصليبية كانت غريبة على بيزنطة ، قمة وقاعدة شعبية على حد سواء . فقد كان الهم الوحيد لديها مواجهة الخطر السلجوقي . وبيزنطة نظرت إلى الصليبيين بارتياب وازدراء ، ورأت فيهم برابرة ، شأنهم في ذلك شأن السلاجقة الذين يهددون الإمبراطورية من الشرق أو قبائل السلاف من الشمال الشرقي . وزاد في اقتناعهم بهذا المنظور طلائع الحملة الصليبية الأولى ، التي قادها الراهب بيتر ( من أميين ) . فقد بادر هذا بعد مجمع كليرمونت بحماسة شديدة إلى حشد المقاتلين من الفلاحين الفقراء والطبقات الرثة من المدن واللصوص والمتسولين وصغار الفرسان المغامرين . وتحركت هذه الجموع من دون تدريب أو تموين أو قيادة حقيقية ، أو حتى سلاح . وفي طريقها من فرنسا إلى ألمانيا - هنغاريا - بلغاريا - القسطنطينية ، عاثت فسادا ، جعل السكان على طول الطريق يهاجمونها . وعندما اقتربت من القسطنطينية ، وكانت سمعتها السيئة قد سبقتها ، سارع الإمبراطور المعروف بدهائه إلى نقلها عبر المضيق إلى شاطىء آسيا الصغرى ، حيث تركها طعمة لسيوف السلاجقة في سلطنة روم ، لأنها لم تتجاوز حدودها . وتركت حملة بيتر آثارا سلبية على الجانبين . فسلوكها الفوضوي على طول الطريق إلى القسطنطينية أثار ردات فعل عنيفة ضدها من قبل سكان المناطق التي مرت بها ، ووقعت بين الطرفين اشتباكات دموية . وفي القسطنطينية ، سارع الإمبراطور إلى نقل أفرادها إلى آسيا الصغرى من دون إعداد ، فوقعوا فريسة سهلة في أيدي السلاجقة . وفي الجانب الآخر ، أدّت السهولة التي تمّ فيها القضاء على هذه الحملة إلى اقتناع السلاجقة بالقدرة على سحق الحملات الصليبية اللاحقة ، ما دام هذا هو طرازها ، فلم يتخذوا الاستعدادات اللازمة لمواجهة الخطر الداهم . وعندما جرت المواجهة الحقيقية ، كان النصر حليف الصليبيين ، كونهم أخذوا كل إمارة سلجوقية على حدة . وفي الواقع ، فإن نجاح الصليبيين بصورة عامة كان نتيجة مباشرة لحالة التدهور السياسي التي عاشها الشرق الإسلامي في حينه . وفي صيف سنة 1096 م ، أي بعد مرور عام على مجمع كليرمونت ، وبعد فناء